الباب الرابع

شرك عبادة الطواغيت
قال الله - سبحانه وتعالى-: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا ... الآية)[27]. فقد قدم سبحانه الكفر بالطاغوت[28] على الإيمان به، فالإيمان بالله والإقرار بالتوحيد وحده لا يكفي أن يكون عاصمًا للدم والمال والعِرْضِ، ولكن حتى يُكفرَ بالطاغوت وبكل ما يعبد من دون الله، وحتى يُكفَّر الكافر والمشرك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبدُ من دون الله؛ حَرُمَ ماله ودمه، وحسابه على الله))[29]، أي: إذا لم يكفر بما يعبد من دون الله فدمه وماله حلال، ولا يغني عنه التلفظ بالشهادة والقيام بالأركان والفرائض!

واعلم - رحمك الله - أن من عبادة الطاغوت: مشاركته في الحكم تحت ما يسمونه في هذه الأيام بـ ((الديمقراطية)) التي تعني باليونانية ((حكم الشعب)) والله سبحانه يقول: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)[30], وقال سبحانه أيضًا: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)[31], وكذلك الخوض في انتخاباته والترشيح لها، كما تفعل الأحزاب والمنظمات والجمعيات التي تطلق على نفسها أسماء إسلامية؛ إرضاء وتقربًا لأسيادهم من اليهود والنصارى والمشركين، والله سبحانه يقول: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ)[32]. وقال سبحانه أيضًا: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا) [33] .

وإن من عبادة الطاغوت: الانضمام إلى أحزابه ومنظماته وجمعياته ونواديه، والمُسَاهَمَةُ في مؤتمراته وندواته ومسيراته، والله سبحانه يقول: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ... الآية)[34]. وقال سبحانه أيضًا: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [35].

وإن من عبادة الطاغوت: الدخول معه في حلف غير متكافئ، فيه له اليد العليا؛ فيكون هذا موالاةً له خالصة من دون الله؛ والله سبحانه يقول: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ... الآية)[36].

ويحتج أهل الأهواء بحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع يهود! والجواب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا ديار اليهود وقتلهم شَرَّ قِتْلَة! سبى نساءهم وذراريهم، وورث أرضهم وأموالهم بعدما غدروا به وبالمسلمين، فهل في استطاعة الذين حالفوا الطواغيت أن يفعلوا ذلك بعد أن غدرت بهم وبأعراضهم وأموالهم، والله سبحانه يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ... الآية) [37].

وإن من عبادة الطاغوت: العمل في دوائره ومؤسساته المدنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية، والتجنُّد في جيشهِ، والخدمة في مكاتبه وشركاته ومعامله ومصانعه ومزارعه وحقوله، والله - سبحانه - يقول: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ ... الآية) [38]. ويحتج أهل الأهواء بأن نبي الله يوسف - عليه السلام - كان وزيرًا عند أحد ملوك مصر وطواغيتها، والجواب: أن نبي الله - عليه السـلام - الـذي أرسله الله بالتوحيد عَمِلَ وزيرًا بعدما أسلــم ذلك الملك[39] والله سبحانه يقول: (انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ ... الآية)[40].وكذلك العمل في خطه التربوي والتعليمي، وعلى جميع أصعدته التدريسية؛ لترويج أفكاره ومناهجه المعادية للإسلام، والهادفة إلى إفساد الناس، والله - سبحانه - يقول: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ... الآية) [41].
وإن من عبادة الطاغوت: تحرير ونشر صحفه ومجلاته، وإصدار كتبه ومطبوعاته ومنشوراته، والمساهمة والعمل في إعلامه المرئي والمقروء والمسموع لترويج مبادئه وشعاراته وأكاذيبه وافتراءاته؛ لتضليل الناس عن الحق، والله سبحانه يقول: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ ... الآية)[42] ويحتج أهل الأهواء بأن ((مؤمن آل فرعون)) كان مقيمًا بين أظهر الذين ظلموا، والجواب: أن مؤمن آل فرعون فاصَلَ الطاغوت بعد أن قال فرعون: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ... الآية)[43] أي: من بعد أن أعلن فرعونُ الحربَ على التوحيد وأهله، فرد عليهم: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ )[44].

وإن من عبادة الطاغوت: التجسس له، والخدمة في دوائره الأمنية والاستخباراتية؛ لقوله سبحانه: (وَلَا تَجَسَّسُوا ... الآية)[45]. فيعود أهل الأهواء إلى الاحتجاج بـ ((الإكراه)) على غير وجهه الصحيح، والله سبحـانه يقول: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ... الآية)[46]. وقال ابن عباس - رضي الله عنه- : ((ليس (التَّقِيَّةُ) بالعمل؛ إنما التقية باللسان)).

واعلم - رحمك الله - أن الإنسان لا يكون مُكرهًا إلا بعد أن يُعَذَّبَ عذابًا شديدًا يخاف منه على نفسه الهلكة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بـن ياسـر: ((فإن عادوا فَعُدْ))[47] . والله سبحانه يقول: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[48].

وإن من عبادة الطاغوت: الذَّبَّ عنه بالقول، والقتال دونه؛ لقوله سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ ... الآية)[49].

خلاصة القول: أن كل من وضع نفسه ليكون حَجَرًا في هرم الطاغوت، فهو مُوَالٍ له وخارج من الاسلام، والله سبحانه يـقـول: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى ... الآية)[50].

----------------------

[27]سورة البقرة، الآية: 256.
[28] الطاغوت: جمعها طواغيت وتشمل جميع حكام العرب والأعاجم بعد غياب الحكم بما أنزل الله من على الأرض.
[29] رواه مسلم.
[30]سورة المائدة، الآية: 50.
[31] سورة هود، الآية: 113.
[32] سورة محمد، الآية: 25.
[33] سورة النساء، الآية: 139.
[34] سورة الأنعام، الآية: 153.
[35] سورة العنكبوت، الآية: 41.
[36] سورة المائدة، الآية: 52.
[37] سورة التوبة، من الآية: 123.
[38] سورة الصافات، الآية: 22، 23.
[39] ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره للآية (55) من سورة يوسف، عن مجاهد إمام التفسير.
[40] سورة النساء، من الآية: 50.
[41] سورة العنكبوت، من الآية: 51.
[42] سورة البقرة، من الآية: 193.
[43] سورة غافر، من الآية: 26.
[44] سورة غافر، من الآية: 28.
[45] الحجرات، من الآية: 12.
[46] سورة الزمر، من الآية: 36.
[47] رواه البيهقي وذكر شرحه ابن كثير في تفسيره للآية (106) من سورة النحل.
[48] سورة آل عمران، الآية: 175.
[49] سورة النساء، من الآية: 76.
[50] سورة الزمر، من الآية: 17.

عدد القراءات: 7012

طباعة
طباعة المقال
تعليق
أضف تعليق
أرسل إلى صديق
أرسل إلى صديق

التعليقات

العودة إلى الصفحة الرئيسية


أنت الزائر رقم: 191803