2017-06-26 03:18:36
المقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله حامي جناب التوحيد.

اعلم - رحمك الله - أن الناس كانوا يجلسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن على رءوسهم الطيرَ لا يتكلمون، سِمَتُهُم الصمتُ والسمع والطاعة، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليَقُلْ خيرًا أو ليصمت))[1],

لم تكن اعتراضات المنافقين في زمنه صلى الله عليه وسلم إلا بداية أي كالبذور التي ظهرت منها الشبهات والفتن فيما بعد.

وبعد أن فُجعت الأُمة بوفاته صلى الله عليه وسلم فوجئت بفتنة الردة في زمن أبي بكر - رضي الله عنه - وحروبها التي استحل فيها الصِّدِّيقُ - رضي الله عنه - دماءَ المُرْتَدِّين، فما كان يفرق بين مانعي الزكاة وغيرهم من المرتدين؛ سبى نساءهم وذَرَارِيَهُم، واستحل أموالهم, فلولا ان فتح الله على ابي بكر بتكفير وقتال مانعي الزكاة لما قامت للاسلام قائمة حتى يرث الله الارض ومن عليها لكونها ركن من اركان الاسلام .

وبعد كَسْرِ باب الفِتَن باستشهاد أمير المؤمنين عمر الفاروق - رضي الله عنه - بدأت الفِرَقُ المُعادية للإسلام تخرج كالأفاعي السامة بعد سُبات طويل، فكانت من أوائلها فرقةُ فتنة التشيُّع الوثني، التي جاء بها عبد الله ابن سبأ اليهودي فكان أول من نادى بولاية آل البيت للنيل من الإسلام، وتبعتها فرقة الخوارج، ولكن الله - سبحانه - نصر الأمةُ عليهم، وظهرت بعد ذلك مسألة الجَبْرِ والاختيار وايضاً القول بالايمان الذي انتهى بتعطيل اركان الاسلام في نهاية الخلافة الراشدة، وجاءت بدعة المُلْكِ العَضُوض، وتَسَلَّطَ الملوكُ على ديار الإسلام، وخاض الناس في القضاء والقدر والأسماء والصفات في زمن بني أُمية، عندها بدأ الأئمة بجمع الحديث؛ خوفًا على ضياع السُّنَّة، وروي أن معاوية بن أبي سفيان أمر ((ألا يَقُصَّ على الناس إلا أميرٌ أو مأمور أو متكلف)) [2].

وهكذا.. وما ان مضى القرن الاول المفضل حتى اشتد البلاء على أمة التوحيد بظهور المذاهب والآراء والقياس الفاسد والهوى، واختلف الناس في دينهم وعم البلاء وطم، وكان أكثرها بلاء عندما جـاء المأمون للحكم وطلب إلى حاكم صقلية النصراني أن يرسل إليه بمكتبته الغنية بالفلسفة اليونانية التي ترعرعت في محيط وثني كافر، تردد الحاكم بإرسالها ولكن المطران الأكبر أشار عليه أن يرسلها فورًا، قائلا له: ((ما دخلت هذه الكتب على أُمَّةٍ إلا أفسدتها)).
غثاء الجاهلية الإغريقي الذي أصبح عند أهل الترف بديلًا عن عقيدة التوحيد، فانخدعوا بما فيها من عجمة وتعقيد وتَنَطُّعٍ وتَشَدُّقٍ وتَفَيْهُقٍ، وتلاعُبٍ بالألفاظ، وقادهم هذا إلى إلباس عقيدة التوحيد لباسا غريبًا عليها وعلى أهلها، فسببت هذه الكتب تدفـق سـيول أفكار الشرك والكفر والبدع والآراء والأهواء على الأمة، وكانت منها: تجدد فتنةُ خلق القرآن التي تَزَعَّمَهَا المأمونُ بنفسه، وعلى إثر ذلك أخذت خِيرةُ شعوب العرب وقبائلها – وكذلك الأعاجم - ترتد عن الإسلام واحدة تلو الأخرى؛ فمن تلك الشعوب والقبائـل من والى الطواغـيت، ومنـها مـن تَشَـيَّعَ فعبد الأوثان، أو تَصَوَّفَ فكان من أصحاب الطرق، ومنها من أصبح من المرجئة [3] المعطلة لأركان الإسلام، فوقع الذي أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم :

((لا تقومُ الساعةُ حتى تَلْحَقَ قبائلُ مِن أُمَّتي بالمشركين، وحتى تَعْبُدَ قبائلُ مِن أُمتي الأوثانَ)) [4].

وانتهى الأمر بعصرنا هذا الذي أصبحت فيه ديارُ الإسلام كلها ((دار ردة)) بعد غياب الحكم بما أنزل الله من على الأرض، والذي يصبح فيه الرجل مؤمنًا، ويُمسي كافرًا من شدة الفتن! عصرنا هذا الذي تداخلت فيه الخنادق مع المشركين، واختلطت الأوراق فيه مـع اليهود والنصارى وعبدة الطواغيت، وهيمنتْ وسائلُ إعلامهم المسموعة والمرئية والمقروءة، فأصبح أكثر مدعي العلم لا يفرق بين الشرك والتوحيد، وبات أكثرهم دعاةً للإرجاء بتعطيل العمل بأركان الإسلام وفرائضه؛ بلباس ((السلفية)) تارة، وتحت أسماء أحزاب ومنظمات وجمعيات مدعية للإسلام موالية للطاغوت تارة أخرى.

ولكن اللـه - سبحانه - وَعَـدَنا بحفـظ هذا الدين إلى يوم القيامة، فأعان - سبحانه - على جمع ثلاثين بابًا في نواقض الإسلام، معززًا بالآية ومُؤَيَّدًا بالحديث الصحيح بعيدًا عن الآراء والأهواء، فنسأل الله - تبارك اسمه - أن نَفْقَهَ ونَعِيَ ما فيه من حُجة بالغة ورَدٍّ فَصْلٍ على قول اليهود والنصارى والمشركين وأولياء الطواغيت والكفار والملحدين وأهل الأديان الباطلة والشيعة عبدة الأوثان والمتصوفة أصحاب الطرق، والمرجئة المعاصرة المعطلة لأركان الإسلام وفرائضه، فهـؤلاء هـم أعـداء الله أعـداء التوحيد، وأعداء الرسل أعداؤنا.

واعلم - رحمك الله - أن رأس الأمر الإسلام، وهو شرط لصحة العبادات، مثلما أن الوضوء شرط لصحة الصلاة، وأن الإسلام ينتقض بالشرك مثلما أن الوضوء يُنقض بنواقضه المعروفة، فالإسلام معناه: عبادة الله وحده لا شريك له، وهو كلمة الله العليا، ومعناه أيضًا: التوحيد، النور الذي يلقيه الله في قلب العبد إذا صدَّقَ اللهَ بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيصبح له إسلامُه نورًا يمشي به في الناس ما لم يأتِ بشرك ينقضه، والإسلام دين الرسل جميعًا؛ أُرسلوا به مُبشرين ومنذرين، فقد خاطب الله سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بقوله:
﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾[5].

-----------------------

[1] رواه البخاري .
[2] رواه احمد 23/6 .
[3] طائفة المرجئة المعاصرة المعطلة لأركان الإسلام وفرائضه , والتي تقول : إن تارك الأركان الأربعة الباقية وغير جاحد بها ليس بكافر ولا يخلد في النار! وهي من الفرق الضالة المضلة , وغير مكفرة لأكثر أهل الشرك والكفر .
[4] رواه احمد 5 /284, والترمذي, وقال: حسن صحيح .
[5] سورة الزمر، من الآية (65).

admin