2017-10-19 05:18:50
الباب الثامن عشر

كفر من جهل التوحيد، ومن عذر المشرك لجهله

قال الله سبحانه: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ... الآية﴾ [132], وقال الله سبحانه: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾[133].
وبعد ((آية العهد)) هذه يحتج أهل الأهواء بالحديث الصحيح: ((كان رجلٌ يُسْرِفُ على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مِتُّ فاحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح؛ فواللهِ لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فُعِلَ به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيكِ منه، فَفَعَلَتْ فإذا هو قائم، فقال: ما حَمَلَكَ على ما صنعت؟ قال: يا ربي، خَشْيَتُكَ، فغفر له))[134], وقال غيره: مخافتك يا رب, والجواب: قوله ((لئن قدر علَيَّ ربي)) أي: ضيَّق عليَّ، فكانت وصيته - رحمه الله - لبنيه من خشيته من الله لا غير، وقد اطلع الله على قلبه وصدقِ قوله، لا كما يدعي أهل الأهواء أن الرجل كان جاهلًا بقدرته سبحانه على إحيائه، وإلا ما كان الله ليغفر لمن يقدح في قدرته على إحياء الموتى.

ويعود أهل الأهواء فيحتجون بسؤال الحواريين لعيسى بن مريم عليه السلام: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء)، والجواب: أن الآية تعني: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟[135]، وهنا نري أهل الأهواء يطعنون بالحواريين، فسبحان الله عما يصفون.

فأهل الأهواء يسعون جاهدين على تعطيل العلم، وإبقاء الناس على الجهل بالتوحيد؛ ليكون ذلك بزعمهم حُجَّةً لهم يوم القيامة، والله سبحانه يقول: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾[136]. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حديث المُعَذَّب في قبره: ((كان الناس يقولون شيئًا فقُلْتُهُ))[137]. أي: جهلًا، فلم تَعْذِرْهُ ملائكة العذاب. وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: ((ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار))[138].

ويعود أهل الأهواء لإعذار الجاهل بالتوحيد فيحتجون بالحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها-: ((يغزو جيشٌ الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخْسَفُ بأولهم وآخِرِهِم، قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقُهم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم))[139].

والجواب: لم يُعذر أحد لجهلهِ بالتوحيد، وإنما كان سؤالها - رضي الله عنها - عن ((أسواقهم)) المكرهين بقوة السلاح، ((ومن ليس منهم)) أي: أهل المكان الذي كان الجيش مارًّا به، و((ابن السبيل)) المار المستطرق، فالعذاب يقع عامًّا لحضور آجالهم، وفي رواية مسلم: ((يهلكون مهلكًا واحدًا، ويَصْدُرُونَ مصادر شتى))[140]. والله سبحانه يقول: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ... الآية﴾[141].

ويحتج أهل الأهواء أيضًا بما فعل نبيُّ الله يونسُ - عليه السلام - بأنه جهل قدرة الله عليه: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ... الآية﴾[142] والجواب: أي نُضَيِّق عليه في بطن الحوت، وهنا أيضا يطعن أهل الأهواء بنبي الله عليه السلام.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسُ محمد بيده، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة - يهودي، ولا نصراني - ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أُرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار))[143].

وإما ما وردة في الحديث الذي رواه الإمام احمد في المسند عن الأسود بن سريع ان نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : أربعة يحتجون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة , فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما اسمع شيئا , وإما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر , وإما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا , وإما الذي مات في الفترة فيقول ربي ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعونه فيرسل إليهم إن ادخلوا النار, قال : فو الذي نقس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما والجواب : إن صح الحديث, اولئك الاربعة لم يشركوا بالله شيئا والا فما كان الله ان يلقي لهم بالا او يغفر لهم.

وخلاصة القول: أنك إذا عذرت المشرك لجهله بالتوحيد، فإن ذلك افتراءٌ على الله، بإدخاله في الإسلام، وولايةٌ له بمعاملته كسائر المسلمين.

----------------------------

[132] سورة النساء، الآية: 48.
[133] سورة الأعراف، الآية: 172، 173.
[134] رواه البخاري .
[135] سورة المائدة، الآية: 112. ذكر تفسيرها ابن كثير.
[136] سورة محمد، الآية: 19.
[137] رواه أبو داود.
[138] أخرجه ابن ماجه رقم (2315)، وأبو داود (5/4) رقم (3573)، والترمذي (613/3) رقم (1322)، والحاكم في مستدركه (90/4)، والبيهقي في السنن الكبرى (117/10) والحديث إسناده صحيح.
[139] رواه البخاري .
[140] ذكره ابن حجر في فتح الباري (338/4).
[141] سورة النحل، من الآية: 36.
[142] سورة الأنبياء، من الآية: 87 ذكره ابن كثير في تفسيره للاية.
[143] رواه مسلم .

admin