2017-12-12 15:55:37
الباب الثاني والعشرون

كفر من لم يُكَفِّرِ الكافر والمشرك

قال الله - سبحانه وتعالى-: (كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ... الآية﴾[154], فالعداوة بالظاهر والبغضاء بالقلب.

اعلم - رحمك الله - أن تكفير الكفار والمشركين وأوليائهم هو الركن الأول من أركان التوحيد؛ لقوله سبحانه: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّه ... الآيةِ﴾[155], فقد قَدَّمَ سبحانه الكفرَ بالطاغوت وأوليائه على الإيمان به، وبخلاف ذلك تختلط الأوراق والخنادق مع الكفار والمشركين وأوليائهم، فلا تكون هنالك مفاصلة.

وقد عجز أهل الأهواء ومُدَّعُو الإسلام أن يجدوا ما يرمون به أهل التوحيد، غير أنهم ((مكفّرون))، فقد رِينَ على قلوبهم أن يعوا أن تكفير أهل الكفر والشرك ومَن والاهم هو الركن الأول من أركان التوحيد، وان الخوارج يكفرون بالمعاصي والكبائر أما نحن لم نكفر إلا بالشرك ولم نكفر إلا من كفره الله ورسوله بنص الآية والحديث ولا تكاد سورة من القرآن الكريم تخلو من تكفير الكفار والمشركين ومن والاهم، فمالي هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا, والله سبحانه يقول: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ... الآية﴾[156]. واعلم رحمك الله تكاد لا تخلو سورة في كتاب الله من تكفير الكفار والمشركين وأوليائهم وكذلك حال السنة النبوية التي تأمرنا بذلك.

وروي أن مصعب بن الزبير بعد قتله للمختار الكذاب استدعى أم ثابت بنت سمرة بن جندب زوجة المختار، فسألها عنه فقالت: إنه كافر، فخَلَّى سَبِيلَها، واستدعى زوجته الأخرى، وهي عَمْرَةُ بنت الصحابي الجليل النعمان بن بشير، فسألها عنه فلم تُكَفِّرْهُ، فكتب مصعب إلى أخيه عبد الله بن الزبير، فأمره الأخير بقتلها؛ لعدم تكفيرها الكافر.

وروى البخاري أن بقايا بني حنيفة لمَّا رجعوا للإسلام، وتبرءوا من مُسَيْلِمَة، وأَقُّروا بكذبه، كبر ذنبهم عند أنفسهم، وتَحَمَّلُوا بأهاليهم إلى الثغر لأجل الجهاد في سبيل الله؛ لعل ذلك يمحو عنهم ((الردة))، فنزلوا الكوفة وصار لهم بها محلة معروفة ومسجد يسمى مسجدَ بني حنيفة، فمر بعض المسلمين ذات يوم بمسجدهم بين المغرب والعشاء، فسمعوا منهم كلامًا معناه: أن مسيلمة كان على حق، وهم جماعة كثيرون، ولكن من لم يَقُلْهُ لم يُنْكِرْهُ على مَن قاله، فرفع أمرهم إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فجمَعَ مَن عنده من الصحابة واستشارهم، فاستتاب بعضهم وقتل بعضهم من غير استتابة، فشمل العقاب من سمع الكلام ولم ينكره[157].

فتَأَمَّلْ - رحمك الله - أنه لم يتوقف الصحابةُ في تكفيرهم كلهم – المتكلم، والحاضر الذي لم يُنْكِر - ولكن كان اختلافهم فقط في: هل تقبل توبتهم أوْ لا؟ فكان سبب قتل الحاضر: هو عدم إنكاره لكلمة الكفر التي سمعها منهم، وعدم تكفيره لهم، ولم يقم بإبلاغ ذلك إلى أولياء الأمر, واما ماروي من حادثة ابن بلتعة ( رض ) فان الله قد تجاوز عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لعل الله اطلع على اهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ".

وخلاصة القول: أنك إذا لم تُكَفِّر الكافر، فسيكون حصيلة ذلك افتراءً على الله، بإدخاله في الإسلام، وموالاة له بمعاملته كسائر المسلمين من تزويج، وتوريث، وأكل ذبيحته، والصلاة عليه بعد موته، ودفنه في مقابر المسلمين.

-----------------------

[154] سورة الممتحنة، من الآية: 4.
[155] سورة البقرة، من الآية: 256.
[156] سورة محمد، الآية: 25.
[157] ذُكرت الروايتان في مقدمة مختصر السيرة، للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

admin