2017-12-12 15:56:05
الباب الخامس

شرك عبادة الأوثان والأصنام والأنصاب وما شابهها

قال الله - سبحانه وتعالى-: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ... الآية﴾[51]. وقال سبحانه أيضًا: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾[52]. وقال سبحانه: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) وهؤلاء رجال صالحون ماتوا فعكف المشركون على قبورهم وصَيَّرُوها أوثانًا وعبدوها، وأصل هذا الضرب من الشرك هو الغلو في الأنبياء والصالحين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا تَجْعَـْل قبري وَثَنًا، لَعَنَ اللهُ قومًا اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجِد))ًَ[53].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تُطْرُونِي كما أَطْرَتِ النصارى ابن مريم)) [54]. وإن من عبادة الأوثان والأصنام: دعاء الغائبين ودعاء الأموات من الأنبياء والصالحين رَهَبًا ورَغَبًا ومَحَبَّةً ورجاءً، والله سبحانه يأمرنا أن نَدْعُوَهُ وحده لا شريك له بقوله تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ... الآية﴾ [55] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدعاء هو العبادة)) "[56].

وإن من الشرك بالله: طلب الشفاعة من الأنبياء والصالحين بعد موتهم، والله سبحانه يقول: (مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ... الآية﴾[57].

وإن من عبادة الأوثان والأصنام: تَعَلُّق القلوب بقبور الأنبياء والصالحين وتأليههم، والله سبحانه يقول: (أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[58]. ويقول سبحانه: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ ... الآية﴾[59].

وإن من عبادتها: تعظيمها والتذلل والتضرع لها، والله سبحانه يقول: (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾[60].

وإن من عبادة الأوثان والأصنام: الاستعانة بالأموات من الأنبياء والصالحين والأولياء، والله يقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[61]. أو الاستعاذة بها؛ لقوله سبحانه: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾[62]. أو الاستغاثة بغير الله؛ لقوله : ((إنه لا يُسْتَغَاثُ بي، وإنما يستغاث بالله ... الآية))[63].

وإن من عبادتها: التوسل بالأموات من الأنبياء والصالحين، والله يقول: (أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾.[64]

ويحتج أهل الأهواء بالحديث الذي رواه عطية العوفي عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أسألك بحق السائلين عليك)). وهو ضعيف[65].

فالاستغاثة والتوسل بالأنبياء والصالحين بعد موتهم شركٌ لا يغفره الله.

أما حديث فاطمة بنت أسد أم علي - رضي الله عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بحق نبيك والأنبـياء الذين من قبلي...)) فهو ضعيف وباطل. وحديث الأعمى فهو إن صح كان توسُّلًا بدعاء رسول الله وليس بذاته[66].

أما الذي صح عن عمر - رضي الله عنه – فهو أنه قام بالناس يستسقي، فدعا الله قائلًا: ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا؛ فيسقون)) وفي رواية أخرى أنه قال للعباس: ((قم فاسْتَسْقِ لنا)).

وإن من عبادة الأوثان تقديم القرابين إلى قبور الأنبياء والصالحين، ونحر الذبائح في سُوحِها، والله سبحانه يقول: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ ... الآية﴾[67]. ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لعن الله من ذبح لغير الله))[68].

وإن من عبادة الأوثان والأصنام: الاعتكاف على القبور والنذر لها، والله سبحانه يقول: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ... الآية﴾[69]. أي لله وحده.

وإن من عبادة الأوثان: الطواف حول قبور الأنبياء والصالحين، والله أمرنا بهذه العبادة له وحده بقوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾[70].

وإن من عبادة الأنصاب: تعظيم تماثيل الطواغيت والمشاهير، وصورهم، والنُّصُب التذكارية.

وإن من الكفر بالله: السجود والركوع لغير الله: مِن بشر، أو قبر نبي، أو رجل صالح، وكذلك يُحَرِّم الإسلام الانحناء عند السلام على أحد؛ لأن ذلك يعد ركوعًا.

وإن من عبادة الأوثان: التبرك بشجر أو حجر أو غيره، وقد رد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على بعض من كان حديثَ عَهْدٍ بإسلام عندما سألوه أن يجعل لهم ذات أَنْوَاطٍ يُعلقون علـيها سـيوفهم تبركًا بها كما للمشركين ذات أنواط - بقوله: ((اللـه أكبر! إنها السـنن؛ قُلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ... الآية﴾[71].

وإن من عبادة الأوثان: تعلق القلوب بلبس حَلْقة، أو تعليق خيط؛ لقصد رفعِ بلاءٍ أو دَفْعِهِ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من عَلَّقَ تميمةً فقد أشرك))[72] . وقال صلى الله عليه وسلم: ((اعرضوا عَلَيَّ رُقَاكُم، لا بأس بالرُّقَى ما لم تكن شِرْكًا))[73].

وإن من عبادة الأوثان: شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين لدعائهم وطلب الحوائج منهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاث: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى))[74].

وقد كان أول من قام بدعوة الناس للعودة إلى الوثنية؛ ببناء المشاهد والأصنام على قبور الأنبياء والصالحين، وصَيَّرها أوثانًا، وصرف لها جميع العبادات التي هي من حق الله وحده، وحارب التوحيد وأهله، وصد عن سبيل الله هم الشيعة عبدة الأوثان، والمتصوفة أصحاب الطرق، الذين حولوا الناس عن المساجد والجوامع والجمعة والجماعات إلى ما أسمته الشيعة بـ ((الحسينية))، وما أسمته المتصوفة بـ ((التكية)) مساجد (ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ ... الآية﴾[75].

--------------------------

[51]سورة المائدة، الآية: 72.
[52] سورة النجم، الآيتان: 19، 20.
[53] رواه أحمد وغيره.
[54] رواه البخاري.
[55] سورة الرعد، من الآية: 14.
[56] رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
[57] سورة البقرة: آية الكرسي.
[58] سورة النمل، من الآية: 63.
[59] سورة آل عمران، الآية: 101.
[60] سورة الأعراف، الآية: 55.
[61] سورة أم الكتاب.
[62] سورة غافر، الآية: 56.
[63] رواه الطبراني بإسناده.
[64] سورة الإسراء، الآية: 57.
[65] قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناده مسلسل بالضعف.
[66] حديث ضعيف، حديث عثمان بن حنيف قال في ((صيانة الإنسان)): هو غير ثابت، في سنده أبو جعفر الرازي، وهو سيئ الحفظ، يهم كثيرًا؛ فلا يُحتج بما انفرد به.
[67] سورة الأنعام، من الآيتان: 162، 163، و((نُسُكِي)) تعني: ذبحي.
[68] رواه مسلم.
[69] سورة الإنسان، من الآية: 7.
[70] سورة الحج، من الآية: 29.
[71]سورة الأعراف، من الآية: 138.
[72] رواه أحمد مرفوعًا.
[73] رواه مسلم.
[74] متفق عليه.
[75] سورة التوبة، من الآية: 107.

admin